اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
166
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
على الوثائق الرسمية لذلك العهد . وقد وضحت أهميته الكبرى في هذا المجال من أبحاث العلامة اشبرنجر Sprenger ( 1864 ) . ومقدمة القسم المطبوع من كتابه تعطى فكرة جلية عن وجهة نظر المؤلف والغاية التي استهدفها والخطة التي سار عليها 60 ، وهي تسمح بتقدير دور البريد في الدولة العباسية ، وهو الغرض الرئيسي من كتابي ابن خرداذبه وقدامة . « قال أبو الفرج يحتاج في البريد إلى ديوان يكون مفردا به ويكون الكتب المنفذة من جميع النواحي مقصودا بها صاحبه ليكون هو المنفذ لكل شئ منها إلى الموضع المرسوم بالنفوذ إليه ويتولى عرض كتب أصحاب البريد والأخبار في جميع النواحي على الخليفة أو عمل جوامع لها ويكون إليه النظر في أمر الفروانقيين « * » والموقعين والمرتبين في السلك وتنجّز أرزاقهم وتقليد أصحاب الخرائط في سائر الأمصار والذي يحتاج إليه في صاحب هذا الديوان هو أن يكون ثقة إما في نفسه أو عند الخليفة القائم بالأمر في وقته لأن هذا الديوان ليس فيه من العمل ما يحتاج معه إلى الكافي المتصفح وإنما يحتاج إلى الثقة المتحفظ والرسوم التي يحتاج إليها من أمر الديوان هو ما يقارب الرسوم التي بيناها في غيره مما يضبط به أعماله وأحواله فاما غير ذلك من أمر الطرق ومواضع السكك والمسالك إلى جميع النواحي فإنا لم نذكره ولا غنى بصاحب هذا الديوان - - أن يكون معه منه ما لا يحتاج في الرجوع فيه إلى غيره وما أن سأله عنه الخليفة وقت الحاجة إلى شخوصه وإنفاذ جيش يهمه أمره وغير ذلك مما تدعو الضرورة إلى علم الطرق بسببه وجد عتيدا عنده ومضبوطا قبله ولم يحتج إلى تكلف عمله والمسئلة عنه فينبغي أن نكون الآن نأخذ في ذكر ذلك وتعديده بأسماء المواضع وذكر المنازل وعدد الأميال والفراسخ وغيره من وصف حال المنزل في مائه وخشونته وسهولته أو عمارته أو ما سوى ذلك من حاله ونبدأ بالطريق المأخوذ فيه من مدينة السلام إلى مكة وهو المنسك العظيم وبيت اللّه الأقدم ونأخذ بعد البلوغ إليه بذكر ما بعده من الطريق إلى اليمن ثم في سائر الجهات المقاربة له وتسميته إن شاء اللّه » . في هذه المقدمة نبصر مرة أخرى كيف استحثت المطالب الدنيوية على تأليف الأوصاف الجغرافية التي انضمت إلى الجغرافيا الفلكية لتقدم لنا عرضا عاما شاملا مترابط الحلقات ابتداء من القرن التاسع . وإلى جانب هذه المصنفات الجغرافية العامة فقد أسهم القرن التاسع في تدعيم الأشكال المختلفة للجغرافيا الإقليمية المحلية ؛ وهذه الأخيرة لم يكن في طوقها أن تدعى حق الانضواء تحت ما يمكن أن يعتبر عرضا عاما للأدب الجغرافي إذ كثيرا ما طغت فيها المادة التاريخية ، أو الأسطورية بتعبير أدق ، على الجغرافية . ولم يكن أمرا نادرا أن تتحول هذه المصنفات إلى مجموعات تعالج سير الشخصيات الكبرى التي اشتهرت في الأماكن والبلدان المختلفة ، هذا إلى أنه يمكن أن يلاحظ فيها تطور طراز « الفضائل »
--> ( * ) من فرانق معرب بروانك الفارسية وهو البريد أو الذي يدل صاحب البريد على الطريق . ( المترجم )